وجلا الليل لـ زكيه محمد ج٣

بدأ صدره يعلو ويهبط بعنف، كم ود اختناقها تلك التي زرعت هذه الأفكار المشينة بداخلها، وعلى الرغم من أن ابنته أخبرته بأنها تكذب، ولكن خوفها أثر عليها فربت على ظهرها بحنان وهتف بتعقل :- أنتِ متوكدة إنها هترميكِ للكلب ؟ في مرة مدت يدها عليكِ ؟ ولا في مرة طلبتي حاچة ومعملتهاش ؟
هزت رأسها بلا، فتابع بعتاب :- يبقى ليه هترميكِ للكلب ؟ متخافيش هي مش هتعمل إكدة واصل، هي مقعداش إهنة أصلًا .
سألته بطفولية :- راحت بيتها الأول ؟
أومأ بنعم مرددًا :- أيوة راحت ومش راچعة تاني عشان زعلانة مني ومنك .
قطبت جبينها بتعجب قائلة :- ليه أنت زعلتها ؟
ردد بأسف :- قولتلها كلام عفش كتير .
أردفت بتفكير طفولي :- چبلها عروسة وهي هتصالحك .
رسم ابتسامة باهتة على تفكيرها، فلو كان هذا ما سيجعلها تعفو عنه، لأشترى لها مصنع عرائس بأكمله، تنهد بعمق قائلًا :- لاه هي كبيرة متنفعش معاها، العروسة دي ليكِ أنتِ .
أخذت تفكر قليلًا فأردفت بفرح وكأنها عثرت على كنز :- هي بتحب الوكل قوي، هاتلها وكل كتير .
شر البلية ما يضحك، لم يستطع أن يكبح نفسه من الضحك، إذ صدحت ضحكاته في الارجاء، شاركته الصغيرة ظنا منها أنها وجدت الحل، بينما أخذ هو يسترجع بذاكرته رؤيته لها وهي تأكل بنهم، وكأنها ماثلة أمامه يستمتع بتذمرها، توقف فجأة ليشعر ببرودة هزت أوصاله، أنها ليست هنا ومعه، لقد أضاعها بغباء منه وتسرع غير معهود، تنهد بوجع شديد اعتصر فؤاده، يعلم جيدًا أنها لن تقابله ولن ترضى عنه، لذا لم يذهب لها على الأقل الآن .
بعد وقت غفت الصغيرة فوضعها في الفراش وأودع قبلة حنونة على رأسها ثم خرج من الغرفة، مر الوقت وهو على حاله من هنا لهناك، جفاه النعاس كما فعلت هي، نظر في الساعة وجدها منتصف الليل، نزل برفق وخرج يمشي يستنشق الهواء في حديقة المنزل .
استيقظت من نومها وأمعائها تصدر صوتًا دلالة على الجوع، فهي لم تتناول شيئًا منذ الظهيرة، بعثرت خصلات شعرها قائلة بضيق وهي توبخ نفسها :- استفدتي إيه دلوك من الزعل خليه ينفعك، أنا چعانة قوي بس مريداش أكل قدامهم .
نهضت من مكانها وارتدت حجابها بإهمال، ثم خرجت تتسحب على أطراف أصابعها، حتى خرجت ووصلت للمطبخ بالأسفل، وجدت الجميع نيام كما أن المنزل تغمره الس.كينة، فتحت البراد لتبدأ تعد الطعام بهدوء، حتى لا تحدث ضجة يستيقظ أحد على إثرها .





