وجلا الليل لـ زكيه محمد ج٣

في عشية اليوم التالي، كان الجميع يجلس بصحن الدار، بمشاعر متناقضة تغلف الأجواء .
تجلس الصغيرة على قدمي “شمس”، والأخرى منسجمة معها بينما يراقبهم هو بابتسامة عريضة.
كانت على وشك الانصهار، وعيناها تفترش الأرض بحرج شديد لكلماته العابثة، راقبتهم هي بأعين تشع حقدًا، فراحت هي تهتف بحقد :- مقولتيش يا وچد من عيلة مين أنتِ في البلد ؟
سقط قلبها بين قدميها هلعًا، ولكنها ارتدت ثوب الثبات وهتفت بحسن نية :- من عيلة بسيطة على قد حالهم في نچع رفاعة، واسمهم غلاب .
تعالت ضحكاتها بصخب وأردفت بحاجب مرفوع :- ويا ترى الحدوتة البايخة دي قولتوها لكام واحد وصدقها ؟
تدخل خالد قائلًا بسخط :- نورا إلزمي حدك وبطلي حديتك اللي ملهوش عازة دة .
صوبت أنظارها تجاهه قائلة بسخرية :- مش تستنى نعرف نسب حرمك المصون اللي يعر !
نهض من مكانه وكان على وشك ضربها وهو يصرخ فيها :- إخرسي يا بت ال….
جذبه يحيى مسرعًا قبل افتعال أية مشكلة، بينما هتف راضي باحتدام :- بتشتم خيتي عشان دي ؟ وكمان معاملش اعتبار لعمك ؟
تدخلت في الحوار قائلة بسخرية :- همله يا راضي معذور برضو، أصله أتقرطس يا عيني وهو ما يخبرش .
زمجر بغضب عاصف :- يمين بالله لو ما حطيتي في خشمك بلغة لأقوم أعيد ربايتك من چديد .
هتف سالم هذه المرة باحتدام :- والله عال عمال تقل من بتي وما عملش حساب للكبار، ما تقول حاچة يا عامر .
هتف بجمود وهو ينظر لابنه بصرامة :- أعتذر لعمك ياولد .
أمام إصرار والده أذعن لطلبه، ليردد بعدها عامر :- ودلوك يا سالم چه دورك تعلم بتك كيف تتحدت زين وتبطل خربيط بالكلام .
تحدثت هي بتأكيد هذه المرة :- لاه يا عمي أنا مبخرطش بالحديت، اللي أنتوا واخدينها لولدكم ……
صمتت تراقب شحوب وجه وجد التي لا تفقه شيء مما تتحدث عنه، لتردد بدوى صوت إنفجار أحدثته في المكان :- تبقى بت حرام .
الفصل السادس عشر
رمت قذيفتها وظلت تشاهد وقع أثرها على الموجودين، الذين نالتهم بعض الشظايا والتي أصابت أماكن متفرقة بداخلهم، حالة ذهول طغت عليهم، وتلك التي شعرت بمن يسحب قلبها من بين أضلعها، ويلقيه بعيدًا فتفارق الحياة، وجهها يحاكي شحوب الموتى، والآخر تجمد كمن وضعوه في القطب الشمالي، تباينت تعابير الوجوه ما بين صدمة وتشفي فور وقع الخبر على آذانهم .
شعرت بأن الدنيا أصبحت أضيق من خرم الإبرة، كما حست بأنفاسها تُسلب منها وكأنهم طردوها وحرموها منه، دارت بها الأرض فلم ترى سوى البقعة السوداء التي جذبتها نحوها، فاستسلمت للغرق فيها .





