دخلت اوضة حماتي حكايات بسمة

ماجد ما قدرش يبصلي.
المحامي قفل الملف وقال:
— طيب، بما إننا وصلنا للنقطة دي، لازم نعرف مين سلّم السلسلة للمحل، وإزاي وصلت لإيده.
حماتي بدأت تتكلم بسرعة:
— أنا كنت بحاول أساعد ابني! وكل اللي عملته كان عشانه!
المحامي رد:
— مساعدة الابن شيء، والتصرف في ممتلكات الغير شيء تاني تمامًا.
وبعدين طلع ورقة أخيرة من الملف، وحطها قدام ماجد.
قال:
— قبل ما نمشي في أي إجراء، محتاج أفهم حاجة واحدة بس… ليه اسمك موجود في إيصال استلام الفلوس؟
ماجد شحب، وحماتي صرخت:
— ماجد، ما تتكلمش!
لكن المحامي كمل:
— لأن فيه توقيع تاني على نفس الإيصال، وده توقيع شخص تالت استلم جزء من المبلغ.
بصيت لماجد وقلت:
— مين الشخص التالت؟
فضل ساكت، ووشه بيزداد شحوبًا.
لحد ما المحامي رفع عينه من الورقة، وقال اسمًا ما كنتش أتوقع أسمعه أبدًا.
اسم أقرب إنسانة ليا… الشخص اللي كنت بعتبره أمان ليا من يوم ما دخلت البيت ده!
وفي اللحظة دي، تليفوني رن.
رسالة قصيرة وصلتلي من رقم مجهول، مكتوب فيها:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، اسألي جوزك مين اللي طلب منه يخلّي أمه تاخد دهبك من الأول… لأن حماتك ما كانتش بتتصرف لوحدها!»
حكايات بسمة
الشاشة كانت بتنور في إيدي برقم غريب، والرسالة مكتوبة بالحرف:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، اسألي جوزك مين اللي طلب منه يخلّي أمه تاخد دهبك من الأول… لأن حماتك ما كانتش بتتصرف لوحدها!»
إيدي اتجمدت على الموبايل. بصيت للصالة.. الصمت كان قاتل، وتقيل كأنه جبل نازل على صدورنا.
المحامي الأستاذ شريف كان باصص لورقة الإيصال، ونطق الاسم اللي هز كياني وغيّر كل حساباتي في لحظة:
— التوقيع التاني اللي استلم نص مبلغ الدهب المباع الأسبوع اللي فات.. هو توقيع «نورا».. أختك يا سارة!
حسيت الدنيا بتلف بيا، ورجلي مش شايلاني. اتسندت على باب الصالون وأنا مش مصدقة اللي أذني بتسمعه. نورا؟! أختي الصغيره؟ أختي اللي مالهاش حد في الدنيا غيري بعد وفاة أمنا وأبونا؟ أختي اللي كنت بعتبرها بنتي ومش شايلة هم في الدنيا غير إنها تكمل جامعتها وتعيش مرتاحة؟!
صرخت بصوت مرتعش والدموع بتغلي في عيني:
— إنت بتقول إيه يا أستاذ شريف؟! نورا أختي؟! نورا مالها ومال دهبي وماجد وحماتي؟! أكيد فيه حاجة غلط! أكيد اسم متشابه!
الأستاذ شريف بصلي برحمة وأسف، وهز راسه بالرفض وطلع صورة البطاقة الشخصية اللي اتصوّرت مع إيصال الاستلام في محل الصاغة:
— للأسف يا سارة.. دي بطاقة أختك نورا، وتوقيعها ورقم تليفونها.
التفتّ لماجد كأني مجنونة. قربت منه ومسكته من ياقة قميصه بكل القوة اللي فاضلة فيا، وصرخت فيه:
— اتكلم! اتكلم يا ماجد! أختي دخلها إيه بالموضوع؟! والرسالة دي جاية من مين؟! إنت عملت إيه من ورايا؟!
ماجد كان وشحوب وشه كأنه ج\ثة، عينيه كانت رايحة جاية بيني وبين المحامي وبين أمه فوزية اللي كانت قاعدة على الكنبة بتترعش، وجلدها اصفرّ زي الورق الدبلان.
حماتي رفعت إيدها وهي بتنهد بصوت طالع بالعافية وقالت:
— ماجد.. ما تتكلمش.. يا ابني اسكت وما تخربش على نفسك!
زقيت إيد ماجد بغضب وجريت على حماتي، وقفت قدامها وصوتي كان بيترج في الصالة كلها:
— اسكت إيه؟! وتخرب إيه؟! إنتوا كبّرتوا في بيتي كابوس! إنتِ كنتِ بتفرزي دهبي النهاردة مش عشان تساعدي ابنك.. إنتِ كنتِ بتفرزيه عشان تسدوا بيه مصيبة! اتكلم يا ماجد وإلا قسماً بالله هطلب النجدة فوراً والأستاذ شريف شاهد على الفواتير والإيصالات!
المحامي شريف قفل شنطته الجلد ببطء ووقف وقال بنبرة حاسمة:
— أنا هنا بصفتي محامي العيلة المسئول عن الممتلكات والميراث، ولما المحل بلغني إن فيه قطعة من دهب سارة المرحومة والدتها بايعاه نورا مع ماجد، جيت فوراً عشان أفهم. بس الواضح إن الموضوع مش مجرد بيع دهب، الموضوع فيه شبهة إبتزاز أو خيانة أمانة. يا ماجد، اتكلم أحسن لك، لأن القض\ية لو وصلت النيابة، إنت وأمك ونورا هتكونوا في موقف قاسي جداً.
ماجد حط وشه بين إيديه، ونزل على ركبه على الأرض قدامي. ولأول مرة من خمس سنين جواز، أشوف راجل بيهرب من عينين مراته بالشكل ده.
بدأ يتكلم وصوته مخنوق بالبكاء:
— سارة.. أرجوكي اسمعيني.. أنا اتدبست! أنا ونورا اتدبسنا!
ـ اتدبستوا في إيه؟! اتكلم خلصني!
ماجد مسح وشه وكمل وهو بيبلع ريقه بعنف:
— نورا أختك.. من ست شهور كانت دخلت في مشروع أونلاين مع ناس نصابين على النت.. أوهموها إنها هتكسب ملايين، وخلوها تمضي على شيكات وإيصالات أمانة بمبالغ خيالية. ولما المشروع طلع وهم، الناس دول بدأوا يهددوها بالحبس.. نورا جيلتي وهي بتعيط وبتموت من الخوف، وترجّتني ما أقولكيش عشان عارفة إنك لو عرفتِ صحتك هتتعب وإن ده المبلغ الوحيد اللي سايباهولكم أمكم قبل ما تموت.
دموعي نزلت بسرعة.. أختي راحت لجوزي بدال ما تيجي ليا؟!
سألته بصوت جريح:
— ولما هي جاتلك.. ليه ما جيتوش قلتولي؟! ليه أختي تستخبى ورا جوزي؟!
ماجد بص لأمه، وبعدين بصلي وقال:
— لأن نورا لما جاتلي، أمي كانت قاعدة وسمعتها! وأمي هي اللي اقترحت الحل ده!
بصيت لفوزية بذهول:
— ماما فوزية؟! اقترحت إيه؟!
حماتي فوزية صرخت بتدافع عن نفسها بصوت مرتعش:
— أنا كنت بحمي بيتك يا هانم! كنت عايزة أحل المشكلة من غير ما يخرب بيتك مع ابني! نورا كانت هتتحبس، ولو أختك اتحبست كانت سمعتك أنتِ وابني هتتلوث! فقلت لماجد تاخدوا كم قطعة من دهبك اللي أنتِ حطاه في الصندوق وما بتلبسيهوش، تبيعوه بالراحة من غير ما تحسي، وتدفعوا جزء من الشيكات!
حسيت بمرارة في بؤي.. مرارة لا تُطاق.
— تأخدوا دهبي من غير ما أعرف؟! وتسموه حماية لبيتي؟! طب والنهاردة؟ النهاردة لما دخلت ولقيتك بتاخدي باقي الغوايش والسلاسل؟ ده كان عشان إيه؟!
ماجد رد بصوت واطي ومكسور:
— عشان العصابة اللي نورا اتعاملت معاهم.. ما اكتفوش بفلوس الشيكات الأوليانية يا سارة! طلعوا أوسخ مما نتخيل.. بقى عندهم صور لنورا وأوراق تخص شغلي أنا وأمي، وبدأوا يبتزونا إحنا الاتنين! هددوا أمي إنهم هيبلغوا عن شغلها القديم في الجمعية لو ما دفعناش باقي المبلغ.. أمي اتفزعت، والنهاردة كانت بتاخد باقي الدهب عشان تروح تسلمه للشخص اللي بيبتزنا!
بقيت واقفة في نص الصالة، حاسة إن السقف ببيقع عليا.
كل حاجة كانت كذبة.
سكوتي طوال خمس سنين، استحمالي لإهانات حماتي، تنازلي عن حقوقي عشان ماجد يرضى.. كل ده ما كانش بيتبنى عليه بيت، ده كان بيتحفر بيه قبر لحياتي!
سألت ماجد بجمود:
— والرسالة اللي جاتلي دلوقتي دي.. من مين؟
ماجد فتح بؤه بذهول:
— رسالة إيه؟
مسكت الموبايل وقريت الرسالة بصوت عالي قدامهم كلهم، قدام المحامي وحماتي وماجد.
أول ما قريت الكلام، حماتي وشها اصفرّ أكتر وقالت بصوت همس:
— ده.. ده هو.. ده الراجل اللي بيبتزنا! هو اللي بعتلك الرسالة عشان يخليكي تضغطي علينا ندفع أسرع!
المحامي الأستاذ شريف أخد الموبايل من إيدي بالراحة، بص للرقم، وابتسم ابتسامة هادية بس مليانة ثقة:
— ممتاز.. أهو الرقم ده هو اللي هيودي العصابة دي كلها في ستين داهية.
التفتّ للمحامي وقلتله بصوت قاطع، صوت امرأة ما بقاش عندها حاجة تخسرها:
— أستاذ شريف.. أنا مش هسكت. أختي غلطت لما خبت عليا ولمّت أوراق مع نصابين، وحماتي وجوزي سرقوا دهبي وخانوا أمانتي باسم «الحماية». أنا عايزة حق أمي اللي اتسرق، وعايزة أختي تطلع من المصيدة دي، وعايزة أضمن حقك يا ماجد بس في المحكمة!
ماجد قام وقف بسرعة ومسك إيدي:
— سارة! إنتِ بتقولي إيه؟! هتودي أمك وجوزك وأختك النيابة؟!
زقيت إيده بقوة وصرخت في وشه:
— إنت مش جوزي يا ماجد! الجوز اللي بيحمى مراته مش اللي بيسرق دهبها مع أمه في الضلمة! الجوز اللي بيكلم مراته بصراحة مش اللي يعيشها في كذبة ست شهور! إنت وأمك استخدمتوا أختي وغلطتها شماعة عشان تستبيحوا حقي!
حماتي بدأت تعيط وبدأت تصرخ:
— يا فايحة! عايزة تسجنينا عشان شوية دهب؟! ده إحنا كسينا أختك وسترناها!
بصيت لحماتي بعينين من حديد:
— إنتِ ما سترتيش حد يا فوزية هانم! إنتِ استغليتي ضعف أختي الصغيرة وسذاجتها عشان تاخدي دهبي اللي عينك كانت عليه من أول يوم دخلت فيه البيت ده! فاكرة لما كنتِ بتقوليلي «البيت ليه كبير»؟ الكبير هو اللي بيصون الأمانة، مش اللي يفتح أدراج غيره في غيابه!
المحامي شريف شاورلي بالهدوء وقال:
— أستاذة سارة.. اهدئي. الخطوة الأولى دلوقتي مش الخناق. الخطوة الأولى إننا نبلغ مباحث الأموال العامة ومباحث الإنترنت بالرقم ده وبالشيكات المزورة اللي على أختك نورا. وهنعمل محضر إثبات حالة بخصوص المصوغات الذهبية المباعة.
ماجد اتجمد مكانه:
— محضر يا أستاذ شريف؟! ضد أمي وضدي؟!
الأستاذ شريف بصله بقسوة وقال:
— المحضر هيكون موجه ضد الشبكة النصابة أولاً، وفي النيابة هتقولوا أقوالكم بالكامل. وإذا كانت مدام فوزية وحضرتك حسن نية زي ما بتقولوا، النيابة هي اللي تقرر. لكن دهب سارة لازم يرجع، وأختها لازم تخرج من الابتزاز ده بقوة القانون مش بالسرقة والتستر!
في اللحظة دي، الباب اتفتح.. ودخلت نورا!
نورا أختي كانت واقفة عند الباب، وشها دبلان، عينيها منفخة من كثرة البكاء، لابسة طرحتها كأنها جث\ة ماشية على الأرض. أول ما شافتني وشافت المحامي والدهب المتطور على السرير في الأوضة المفتوحة، انهمرت في البكاء ووقعت على ركبها عند الباب:
— سارة.. سامحيني يا سارة! والله العظيم كنت خايفة! والله العظيم ماجد ومامته قالولي لو سارة عرفت هتتطلق وتضيعي أنتِ وهي!
جريت على أختي.. رغم كل الغضب اللي جوايا، دي دموع أختي الصغيره، لحمي ودمي. أخدتها في حضني وقومتها، ونظفت دموعها بإيدي وأنا بتكلم بغل:
— ليه يا نورا؟ ليه ما جيتليش أنا؟ إنتِ هبلة؟ إنتِ تفتكري إن جوزك أو حماتك هيخافوا عليكي أكتر مني؟!
نورا كانت بتشهق بصوت عالي:
— هم.. هم قالولي إنك ضعيفة ومش هتقدري تعملي حاجة، وإن ماجد هو الراجل اللي يقدر يتصرف برة.. وهم اللي أخدوا الدهب وقالولي ده حل مؤقت وهيرجعوه لما نعمل قرض!
بصيت لماجد وأمه بنظرة احتقار أخيرة:
— قرض؟ وقرض بدهبي أنا؟! إنتوا أتعس ناس أنا قابلتهم في حياتي.
مسكت إيد نورا، وبصيت للأستاذ شريف:
— يلا يا أستاذ شريف.. إحنا رايحين قسم الشرطة.
حماتي وقفت قدام الباب وهي بتصرخ:
— مش هتبرجوا من هنا! مش هسمحلك تخربي بيت ابني وتفضحين في المنطقة!
ماجد مسك أمه من دراعها ودموعه نازلة:
— سبيها يا ماما.. سبيها. إحنا اللي خربنا بيتنا بإيدينا لما سكتنا على الغلط وافتكرنا إن السرقة والكدب ينفعوا يبقوا حل.
حماتي بصت لابنها بصدمة، ووسعت الطريق وهي بتعيط بهستيريا وتلطم على خدودها.
مرت الأيام اللي بعد الليلة دي كأنها سنين طويلة.
رحنا مباحث الأموال العامة ومباحث الإنترنت مع الأستاذ شريف. بفضل الفواتير، والرسالة اللي وصلتني على الموبايل، وتوقيعات نورا وماجد، المباحث عملت كمين محكم للشبكة النصابة. وفي خلال أسبوع واحد، تم القبض على المحتالين اللي كانوا بيبتزوا نورا، واكتشفوا إن الشيكات اللي معاهم مزورة وبدون رصيد أساساً وكانوا بيستغلوا خجل البنات وخوفهم من الأهالي عشان يبتزوهم في مبالغ مالية كبيرة!
الشبكة دخلت السجن، ونورا أختي اتعلمت درس عمرها.. درس كلفها دموع ورعب، بس خرجت منه وهي فاهمة إن أختها هي سندها الحقيقي والأمان الوحيد لها.
أما بالنسبة لماجد وحماتي فوزية..
القانون أخد مجراه بخصوص الدهب المباع. ماجد اضطر يبيع حتة أرض صغيرة كان يملكها في البلد عشان يسددلي قيمة الدهب بالكامل اللي باعه هو وأمه، ويدفع المصاريف القضائية.
وحماتي فوزية؟ السيدة القوية اللي كانت بتبصلي باحتقار وتقوللي «إنتِ خلاص مبقتيش تنفعيه».. بقت تقعد في بيتها لوحدها، ما حدش من قرايبها بيزورها بعد ما الفضيحة اتعرفت في العيلة كلها إنها أخدت دهب مرات ابنها من وراها.
أما أنا.. فجمعت كل هدومي، وكل قطعة دهب رجعتلي، وأخدت أختي نورا ونزلنا أجرنا شقة صغيرة هادية قريبة من شغلي.
يوم طلاقي من ماجد في المحكمة، وقف قدامي وعينيه مليانة ندم:
— سارة.. مفيش أمل تسامحيني؟ أنا عرفت إني كنت ضعيف، وإني ظلمتك لما سمعت كلام أمي ومشيت ورا الحلول السهلة.
بصيتله بهدوء تام، هدوء المرأة اللي تعافت من الخيبة:
— المسامحة دي بينك وبين ربنا يا ماجد.. بس الرجوع مستحيل. الجواز اللي ما فيهوش أمان وصراحة، ما يبقاش جواز.. بيبقى سجن. وأنا اتعلمت إن سكتي مش ضعف، بس لما بتكلم.. بياخد كل واحد حسابه.
سبيته ومشيت، مسكت إيد أختي نورا وقفلنا الصفحة دي للأبد.
والنهارده، وأنا قاعدة في شقتي الجديدة، وشايفة الشمس داخلة من البلكونة ونورا قاعدة بتذاكر جنب مني وبتضحك.. حطيت علبة دهبي قدامي على الترابيزة. بصيت للسلسلة اللي أمي جابتهالي، وابتسمت من قلبي.
الدهب مش مجرد زينة ولا فلوس تتشال في الدولاب.. الدهب هو كرامتك وأمانك، وإياكي في يوم تسمحي لحد يمد إيده على كرامتك أو يحسسك إنك «مبقتيش تنفعي».. لأن الساكت عن حقه بيخسر نفسه قبل ما يخسر دهبه!




