النادلة بتتكلم فرنساوي حكايات بسمة

لأنها لاحظت إن أبوها اتغير تمامًا أول ما سمع اسم باريس.
من يوم وفاة أمها، وهو بيرفض يتكلم عن فرنسا. كان دايمًا يقول لها إن أمها، فيفيان، كانت مدرسة فرنسي، وإنها ماتت في حادثة وهي نورهان عندها أربع سنين.
لكن عمره ما شرح لها تفاصيل الحادثة، ولا احتفظ بصور لعيلة أمها الفرنسية.
حتى لما كانت بتبعتله صورها من مكتبات باريس وقت دراستها، كان يسألها إذا كانت أكلت ونامت كويس، لكنه عمره ما سألها عن الأماكن اللي زارتها، ولا وافق يسافر لها لما عرضت عليه.
نورهان دفعت مصاريف جلسات العلاج المتأخرة، ورتبت مع جارتهم إنها تساعد أبوها وقت غيابها، وسابت نسخة من العقد وخط سير الرحلة عند المحامية.
وفي اليوم التالي، راحت المطار ومعاها شنطتها وجواز سفرها وتليفونها.
قبل ما تدخل بوابة السفر، أبوها مسك إيدها بقوة غير متوقعة وقال: — لو حد جاب سيرة أمك هناك، اتصلي بيا فورًا!
بصت له بصدمة: — ليه يا بابا؟ إنت مخبي عني إيه؟
لكنه ساب إيدها، ونزل عينيه للأرض من غير ما يرد.
ركبت الطيارة، وبعد ما قعدت، قربت منها مضيفة ومعاها ملف الأوراق، وابتسمت وهي بتقول:
— أهلًا بيكي يا مدام لوران، نتمنى لك رحلة سعيدة.
نورهان اتجمدت مكانها.
— لوران؟ حضرتك غلطانة، اسمي نورهان عبد الرحيم!
المضيفة راجعت الأوراق باستغراب، وقالت إن لوران هو اسم عيلة والدتها قبل الجواز.
نورهان طلعت تليفونها واتصلت بأبوها قبل إقلاع الطيارة، وأول ما حكت له اللي حصل، سمعت في صوته خوف عمرها ما سمعته منه قبل كده.
صرخ فيها: — انزلي من الطيارة حالًا يا نورهان!
صرخت هي كمان: — ليه؟ إيه علاقة اسم ماما بكل ده؟!
سكت محمود لحظات، وبعدها قال جملة هزت كيانها:
— أمك مماتتش في حادثة يا نورهان… أمك لسه عايشة!
الدم اتجمد في عروق نورهان. الكلمة طلعت من سماعة التليفون زي الخنجر اللي غُرس في قلبها فجأة: “أمك مماتتش في حادثة يا نورهان… أمك لسه عايشة!”
نورهان فضلت ماسكة التليفون وإيدها بتترعش بشكل مرعب، صوت المحركات الضخمة للطيارة الخاصة بدأ يعلى والمضيفة كانت واقفة جنبها بتبصلها بقلق وتوتر.
نورهان صرخت في التليفون والدقات في صدرها كأنها طبول حرب:
— بابا! أنت بتقول إيه؟! عايشة إزاي؟! وأنت طول ٢٢ سنة بتقولي إنها ماتت في حادثة عربية؟! انطق يا بابا مخبي عليا إيه ثاني؟!
صوت محمود عبد الرحيم جه من القاهرة مكسور ومحشور بالدموع، أنفاسه المجهدة كانت بتتقطع من أثر المرض والخوف:
— يا نورهان يا بنتي انزلي! ياسين الراوي مش جايبك عشان رسالة ماجستير ولا لغويات! ياسين الراوي شغال لحساب عيلة “لوران”.. عيلة أمك الفرنسية! العيلة اللي طردت أمك وحرمتني منها ومنك زمان لما عرفوا إنها اتجوزت مصري بسيط! انزلي يا بنتي قبل ما يحبسوكي هناك!
قبل ما نورهان تصرخ للمضيفة عشان تفتح الباب أو توقف الطيارة، كانت عجلات الطيارة الخاصة سابت الأرض بالفعل، وارتفعت في أثير السماء متجهة لباريس!
نورهان انهارت على الكرسي الفاخر، مسكت رأسها بين إيديها وبكت بصوت واطي ومرير. التليفون أقطع فيه الاتصال بسبب الارتفاع، وبقت محبوسة في الجو على ارتفاع آلاف الأمتار، مع سر هز كيانها وعالمها كله في لحظة.
بعد أربع ساعات من الطيران المتواصل، هبطت الطيارة في مطار “بورجيه” المخصص للرحلات الخاصة في باريس.
أول ما نورهان نزلت من السلم الفاخر وهي ماسكة شنطتها بصلابة وإيدها بتتفاض من التوتر، لقيت عربية سوداء مصفحة واقفة قدام السلم مباشرة. نزل منها ياسين الراوي بنفسه، لابس معطفه الرمادي الأنيق، وفي عينيه هيبة وثبات هادي.
نورهان جرت عليه، وشها كان شاحب تماماً وعينيها المليانة دموع وشرار:
— أنت خاين يا ياسين بيه! أنت استغليت ظروفي وعلاج بابا عشان تجيبني هنا! بابا قاللي كل حاجة.. قاللي إن أمي عايشة وإنك جايبني لعيلتها!
ياسين ما اتخضش، ولا حاول يهرب من عينيها. وقف بثبات، وفتح باب العربية بنفسه وقال بنبرة دافية وعميقة جداً، نبرة خالية تماماً من الغرور:
— أبوكي قالك نص الحقيقة يا نورهان.. ونص الحقيقة أوقات بيكون أشد قسوة من الكذب نفسه.
نورهان بصت له بصدمة:
— نص الحقيقة؟!
ياسين بص في عينيها مباشرة وقال بصدق:
— أمك فيفيان لوران فعلاً عايشة.. بس مش هي اللي دورت عليكِ، ولا عيلتها الفرنسية الأريستوقراطية هما اللي بعتوني. أنا اللي دورت عليكِ بنفسي عشان أحميكي وأحمي أمك من عيلتها!
— أحمينا من عيلتها؟! يعني إيه؟!
ياسين أشار للعربية:
— اركبي يا نورهان.. قدامنا مشوار لساعة واحدة لمستشفى خاص في ضواحي باريس، وهناك هتشوفي كل حاجة بعينيكي وتعرفي الحقيقة كامة، وبعدها ليكي كامل الحرية ترجعي مصر أو تفضلي.
العربية كانت بتشق شوارع باريس الهادية تحت المطر الخفيف. نورهان كانت قاعدة في الكنبة الخلفية، عينها على أنوار المدينة اللي سابت فيها أحلامها من سنتين، وقبلها سابت فيها أمها من غير ما تعرف.
ياسين كان قاعد قصادها، وفتح ملف أسود تقيل وحطه على الترابيزة الصغيره بينهما:
— أمك فيفيان لوران.. كانت الوريثة الوحيدة لمجموعة “لوران” للأدوية والعقارات في فرنسا. لما اتجوزت أبوكي محمود وهو طالب مصري بيدرس في باريس، عيلتها اعتبرت الجوازة دي وصمة عار وأكبر تهديد لثروتهم.





