النادلة بتتكلم فرنساوي حكايات بسمة

نورهان بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت خافت:
— وأبويا قال إنهم طردوها…
ياسين هز رأسه بالرفض:
— هما ما طردوهاش بس يا نورهان.. هما لفّقوا لأبوكي ق\ضية تهريب وورطوه عشان يرحّلوه مصر بالقوة، ولما أمك قررت تسافر وراه بالمولودة الصغيره اللي هي أنتِ، عمها “هنري لوران” دبر حادثة عربية حقيقية! أبوكي افتكر إن أمك ماتت في الحادثة دي لأنهم ورّوه ج\ثة مزورة في المستشفى وهددوه بفتلك أنتِ لو رجع فرنسا!
نورهان حطت إيدها على بؤها وعينيها اتسعت برعب لا يوصف:
— يعني بابا عاش ٢٢ سنة فاكر إنها ماتت عشان يحميني أنا؟!
كمال ياسين بصوت مليان شجن:
— وأمك فيفيان عاشت الـ ٢٢ سنة دول في غيبوبة جزئية ومصحة خاصة تحت حراسة عمها، بعد ما أوهموها إنك أنتِ وأبوكي متوا في نفس الحادثة! عمها “هنري” سيطر على الثروة والشركات طوال السنين دي باسم إدارة أملاكها!
نورهان دموعها نزلت مطر على خدودها، الوجع الصامت اللي عاش فيه أبوها، والعذاب اللي عاشت فيه أمها، كان أكبر بكتير من إدراكها.
سألته بصوت بيترعش:
— وأنت.. أنت دخلت في الموضوع ده ليه يا ياسين بيه؟ إيه علاقتك بعيلة لوران؟
آدم أخد نفس طويل وبص للشارع من الشباك:
— أنا ابن الشريك المصري الوحيد اللي هنري لوران دمر شركته واستولى على أسهمه بنفس الطريقة من ١٥ سنة. أنا قضيت آخر ٨ سنين من حياتي بتتبع هنري وأعماله عشان أرد حق أبويا.. وأثناء تحرياتي الوثائقية في باريس، اكتشفت أوراق المأساة بتاعة أمك وباباكي. وعرفنا إن القانون الفرنسي بيطلب وجود الوريث الشرعي المباشر — اللي هي أنتِ يا نورهان — عشان يقدر يتلغي توكيل “هنري” وتتفتح القضايا من جديد ومامتك تخرج من المصحة المحبوسة فيها!
العربية وقفت قدام مبنى قديم وأنيق محاط بجدران عالية وحرّاس، في منطقة “فرساي”.
نورهان نزلت بخطوات ثقيلة ومضطربة، قلبها كان بيدق بسرعة جنونية. دخلت مع ياسين من الممرات الهادية المعطرة بريحة الورد والأدوية، لحد ما وصلوا لأوضة واسعة مطلة على حديقة خضراء.
جوة الأوضة..
كانت قاعدة ست في اواخر الخمسينات، لافة شال كشمير أبيض حوالين كتفيها، شعرها الأشقر الفاتح فيه خصلات بيضاء، وملامحها كانت هادية جداً بس عينيها فيها حزن بعمق المحيط.
كانت مسكة بين إيديها العروسة القماش الصغيره اللي نورهان كانت بتلعب بيها وهي طفلة!
نورهان اتسمرت عند الباب. أنفاسها اتسحبت تماماً.
المصممة.. الخياطة.. النادلة.. كل أدوار حياتها تلاشت، وما فاضلش غير البنت الصغيره اللي اتحرمت من أمها ٢٢ سنة.
الست رفعت عينيها ببطء شديد..
أول ما عينها وقعت على وش نورهان، العروسة القماش سقطت من إيدها على الأرض.
عينين نورهان.. أنفها.. وحتى طريقة وقوفها.. كانت صورة طبق الأصل من شباب فيفيان ومن الطفولة اللي اتحرمت منها.
فيفيان قامت وقفت بصعوبة ورجليها بتتغذى، وشفايفها اتحركت بصوت خافت ومبحوح مليان دموع وشوق هز جدران الأوضة:
— نورهان..؟ أنتِ.. أنتِ عايشة يا بنتي..؟
نورهان ما حسيتش بنفسها.. جريت عليها ورمت نفسها في حضنها!
حضن دافي، مليان ريحة الورد والحنان اللي ادفن تحت الأرض ٢٢ سنة. الأم وابنتها بكيوا في حضن بعض بدموع حارة، وصرخات مكتومة بتمسح سنين الظلم والغدر.
ياسين كان واقف عند الباب، مبتسم بابتسامة هادية ونظرة فخر، وهو بيراقب لحظة العوض الإلهي اللي اشتغل سنين عشان يحققها.
بعد يومين..
في القاعة الكبرى لمحكمة باريس الابتدائية.
كان “هنري لوران”، الراجل الثري ذو الشعر الأبيض والملامح القاسية، قاعد مع طاقم محاميه وهو متأكد إن توكيله على أملاك فيفيان هيتجدد زي كل سنة.
وفجأة.. أبواب القاعة المصفحة انفتحت بقوة!
دخلت نورهان عبد الرحيم.. لابس بدلة سوداء أنيقة، ورافع رأسها بثبات وكبرياء يطير العقل، وجنبها ياسين الراوي والمحامية الفرنسية الكبيرة، ووراهم فيفيان لوران على كرسي متحرك بكامل وعيها وقوتها!
هنري لوران وُشها تحول للون الرمادي القاتل! ج\ثى في مكانه والصدمة شلت لسانه لما شاف البنت المصرية اللي كان فاكر إنها اختفت من الدنيا واقفة قدامه بشرعيتها وحقها!
المحامية ألقى الملفات والتسجيلات والشهادات الطبية الرسمية قدام القاضي:
— سيادة القاضي.. نقدم للمحكمة الوريثة الشرعية المباشرة “نورهان محمود لوران”، ومستندات الحجز القسري والتزوير المالي المرتكب من المدعو “هنري لوران” على مدار ٢٢ سنة!
جلسة المحكمة تحولت لزلزال!
خلال ساعتين فقط، القاضي أصدر حكماً مستعجلاً بالتحفظ على جميع أموال وأسهم شركة “لوران” للأدوية، وإلغاء توكيل هنري بالكامل، وإحالة الملف للنيابة العامة بتهم التزوير والحجز القسري والتآمر العمدي!
هنري اتسحب بالكلابشات برة المحكمة قدام كاميرات الصحافة الفرنسية والمصرية، وهو بيصرخ ويتحسر على الإمبراطورية اللي اتدمرت في ثانية.
تاني يوم.. في مطار باريس.
الطيارة الخاصة كانت تجهز للعودة للقاهرة.
نورهان كانت واقفة جنب الطيارة، وجنبها أمها فيفيان اللي أصرت تسافر معاها مصر فوراً عشان تتجمع مع حب عمرها محمود عبد الرحيم وتطلب منه السماح عن السنين اللي ضاعت من عمرهم.
ياسين الراوي قرب من نورهان، ومسك إيدها بثبات ودفا وقال بابتسامة حقيقية:
— دلوقتي يا دكتورة نورهان.. حقك ورسالتك وأمك وأبوكي بقوا في أمان. تظني إن النادلة الفصيحة بتاعة مطعم الزمالك لسه زعلانة مني؟
نورهان ابتسمت ابتسامة صافية من قلبها، ابتسامة نورت وشها الأنيق، وقالت بفرنساوي سليم ومتقن:
— Le respect n’a pas besoin de traduction, Youssef… mais l’amour non plus.
(الاحترام مش محتاج ترجمة يا ياسين.. والحب كمان مش محتاج ترجمة).
ياسين ضحك ضحكة عالية دافية، ومسك إيدها وطبع بوسة رقيقة على صوابعها.
ورجعت نورهان للقاهرة.. مش نادلة غلبانة بتجري ورا الشيفتات، رجعت وهي الملكة المرموقة، وبنت الأصول اللي جمعت شمل عيلتها، وردت حق أبوها وأمها، وفتحت بوابات العوض والحب مع الراجل اللي كان السبب في رجوع روحها ليها.
تمت.




