ام خطيبي حكايات بسمة

كانت حياته دلوقتي في إيدي أنا.
عايزين تعرفوا إيه اللي حصل بعد كده؟
حكايات بسمة
خرجت من الممر المخصص للعمليات، وركبت الأسانسير الداخلي ونازلة لقسم الطوارئ الشامل في الدور الأرضي. أول ما الأبواب انفتحت، كان المكان شغال زي خلية نخل مرعوبة.. صرخات، وأجهزة قياس النبض بتعمل إنذارات، وممرضين بيجروا بالنقالات.
وفي نص صالة الاستقبال.. كانت واقفة سهير الشاذلي.
ما كانتش سهير بتاعة امبارح بفساتينها الحرير وكاسات الكريستال والكلام المسموم عن “المستوى المهني”. المرة دي كانت لافة شال أسود متلخبط على كتفيها، وشها أصفر زي الميتين، والدموع مسحت المكياج الفخم من على خدودها. أحمد خطيبي كان واقف جنبها ماسك إيدها وهو بيحاول يهدّيها، ورجليه هي كمان مش شايلاناه من الخوف على أبوه.
أول ما دكتور الطوارئ نزل ومعاه الملف، سهير جرت عليه ومسكته من ياقة البالطو الأبيض وهي بتصرخ بانهيار هستيري:
— إنتوا سايبين جوزي جوة ليه؟! حسن بيموت! أنا عايزة أكبر دكتور هنا! أنا عايزة رئيس قسم جراحة القلب والصدر فوراً! أنتوا فاهمين مين حسن الشاذلي؟!
الدكتور بص لها بهدوء شديد، وبعدين التفت وجاب عينيه عليا وأنا نازلة من الممر الجانبي، لابسة بدلتي الزرقاء الخاصة بالعمليات المعقمة، ولافة الكمامة حولين رقبتي.
الدكتور قال بوقار وثبات:
— الوالد حالته تسلخ حاد من النوع الأول في الشريان الأورطي الصاعد.. ودي من أخطر جراحات القلب على مستوى العالم. ومفيش غير شخص واحد في المستشفى دي بالكامل يقدر يدخل عملية بالحجم ده ونسبة نجاحها معقولة.
سهير صرخت بلهفة:
— مين؟! نادوه!! أنا مستعدة أدفع ملايين! مين هو؟!
الدكتور أشار عليا بإيده بثبات وقال:
— دكتورة مريم الجارحي.. الاستشارية المرموقة ورئيسة طاقم جراحة القلب المفتوح والأوعية الدموية بمستشفى سانت إيلينا.
السكون نزل على الصالة زي الصاعقة!
سهير اتسمرت مكانها. فكها سقط بصدمة، وشفاهها بدأت تتنفس بصعوبة ومش قادرة تجمع كلمة واحدة. بصتلي وهي بتفرك عينيها مش مصدقة.. الممرضة؟ الست اللي إديتها كتاب طبخ للمبتدئين من كام ساعة؟ الست اللي قعدتها جنب باب الخدمة عشان “الترابيزة الرئيسية للمناصب القيادية”؟!
أحمد خطيبي بص لأمه بنظرة سردت كل الوجع والانكسار، وبعدين بصلي وهو بيبلع ريقه بتوسل ورجاء.
أنا مشيت بخطوات ثابته وواثقة لحد ما وقفت قدام سهير مباشرة. ما كانش في عيني انتقام ولا تشفي.. كان فيه جدية ومهنية طبيب بيتعامل مع حاد بين الحياة والموت.
بصيت لسهير وقلت بصوت هادي وعميق:
— طاقم العمليات اتجهز في الأوضة رقم 3 يا سهير هانم. أنسجة الشريان الأورطي عند حسن بيه بتتمزق، وأمامه أقل من 40 دقيقة قبل ما يحصل انفجار داخلي كامل. أنا داخلة أعمل عمليتي.. وأتمنى تدعي له بالسلامة.
سهير وقعت على ركبتيها على أرضية الطوارئ الرخام، وبكت بصوت مكسور وهي بتمد إيدها المترعشة وتلمس طرف البالطو بتاعي بتوسل ورجاء:
— مريم.. يا بنتي! أرجوكي أنقذي حسن! أرجوكي سامحيني! أنا كنت أعمى وجاهلة! أرجوكي ما تحرمينيش من جوزي!
نزل لمستواها بالراحة، ومسكت إيدها المترعشة وحطيتها بين إيديا:
— أنا جراحة يا سهير هانم.. والجراح بيمسك المشرط عشان ينقذ روح، مش عشان يتشفي في مشاعر ناس. حسن بيه زي أبويا، وهعمل كل اللي في وسع البشري عشان يخرجلكوا بالسلامة.
وقمت وقفت، وبصيت لأحمد:
— ادعي له يا أحمد.
الساعة 7:45 الصبح.. انفتحت أبواب غرفة العمليات رقم 3.
العملية كانت عبارة عن ملحمة طبية استمرت أكثر من ست ساعات متواصلة. الشريان الأورطي كان متهتك بالكامل، والدورة الدموية توقفت وتم توصيل المريض بجهاز القلب والصدر الصناعي. ست ساعات وأنا ماسكة المشرط والإبرة المجهرية والدقة متناهية، لأن غرزة واحدة غلط مكانها كان معناه إن حسن الشاذلي ينزف حتى الموت في ثواني.
طوال الست ساعات دول.. كانت سهير الشاذلي قاعدة على البلاط برة غرفة العمليات، رافضة تقعد على الكرسي، حاضنة كتاب الطبخ اللي إدتهولي امبارح بدموع حارة، وبتسترجع كل كلمة إهانة وقلة احترام قالتها في حقي طوال الست أسابيع اللي فاتوا.
الساعة 2:15 الضهر..
الباب الزجاجي المعقم لغرفة العمليات انفتح.
طلعت وأنا بقلع القفازات الطبية والكمامة، ووشي باين عليه الإرهاق والتعب الشديد بعد ساعات النزاع مع الموت.
أحمد وسهير جرو عليا بلهفة ورعب يتجاوز الوصف.
سهير مسكت إيدي المترعشة وهي مش قادرة تتنفس:
— مريم؟! حسن.. حسن عامل إيه؟!
ابتسمت ابتسامة خفيفة ودافية، وقلت بنبرة اطمئنان:
— الشريان الأورطي تم استبداله بوصلة صناعية بنجاح، النزيف اتوقف، والقلب رجع ينبض بتلقائية من غير أجهزة. حسن بيه اتنقل لغرفة الرعاية المركزة.. وحالته استقرت تماماً.
سهير سقطت على ركبتيها وسجدت على الأرض تشكر ربنا وهي بتبكي بانهيار وفرحة مش طبيعية، وأحمد حضنني بقوة ودموعه نازلة على كتفي وهو بيهمس:
— شكراً يا مريم.. شكراً إنك أنقذتي أبويا وأنقذتي عيلتنا.
بعد أسبوعين..
حسن الشاذلي تعافى تماماً، وأتنقل لغرفة خاصة فاخرة في المستشفى قبل ما يخرج بيته.
في يوم الخروج.. الصالة كانت مليانة بأقارب عيلة الشاذلي ورجال الأعمال اللي جوم يباركوا لشفائه.
سهير كانت واقفة جنب سرير جوزها، وأنا دخلت بملابسي العادية بعد انتهاء الشيفت بتاعي عشان أطمن عليه قبل ما يمشوا.
أول ما دخلت.. سهير سكتت الجميع بإشارة من إيدها.
مشت بخطوات بطيئة ناحيتي، وفي إيدها علبة مخملية سوداء أنيقة.
قفت قدامي قدام العيلة كلها، والأطباء، والممرضين.. ونزلت راسها باحترام واعتذار شديد خلى كل اللي في الأوضة يتفاجئوا.
فتحت العلبة.. كان جواه السماعة الطبية الذهبية الخاصة بوالدها المتوفي اللي كان جراحاً كبيراً، ومعاها مفتاح الشقة التمليك الخاصة بعيلتهم في الزمالك.
قالت سهير بصوت واضح ومسموع للكل ودموعها في عينها:
— من أسبوعين.. أنا إديت لمريم كتاب طبخ وقلت إن أحمد محتاج واحدة من نفس مستواه. والنهاردة، قدام الناس كلها، أنا بطلب من مريم الجارحي إنها تقبل تسامحني.. تقبل تسامح ست كانت عمياء عن الجوهر، وما شافتش إن مريم مش بس من نفس مستوى ابنها.. دي أطهر، وأعلى، وأعظم إنسانة ودكتورة دخلت عيلتنا.
حسن الشاذلي مسك إيد مراته وابتسم بامتنان، وأحمد قرب وحط إيده في إيدي.
أنا مسكت إيد سهير وابتسمت بدفء:
— المهم إن حسن بيه بخير يا طنط.. وده أعظم هدية ليا.
سهير ضمتني لصدرها بحرارة وبكت بحنان أم حقيقي لأول مرة، والعيلة كلها بدأت تصفق بفرحة وفخر.
وعرفت ساعتها إن القيمة الحقيقية للإنسان مش بالمنصب اللي بيتفاخر بيه قدام الناس، ولا بالفلوس اللي بيملكها.. القيمة الحقيقية هي في الرحمة، والعمل النظيف، واليد اللي بتمتد في أوقات العتمة عشان تنقذ الأرواح وترد الغايب لأهله.
تمت.



