بنت عندها ١١سنة حكايات بسمة


الكلمة نزلَت على صدري زي الجمرة.
قتـ..ـل أمها عشان يبيع البيبي؟!
وقفت بثبات واستقامة، وحطيت نور وزين ورايا بالكامل. بصيت لشريف العقاد بنظرة خلت الابتسامة تتقطع من على وشه في ثانية.
قلت بصوت واطي جداً، بس صدى قوته هز جدران المكان:
— أنت دخلت بيتي.. وكسرت إزازي.. ودست على قانوني.. وفوق كل ده، جيت تطالب بحاجة بقت تحت حمايتي.
شريف رفع مسدسه بثقة عمياء وقال:
— مراد بيه.. بلاش ندخل في حرب عشان حتة بت وشحات صغير مالهمش عازة. سلمهم بالتي هي أحسن بدل ما الدم يسيل هنا!
ضحكت.. ضحكة واطية ومظلمة خلت رجالة شريف ينظروا لبعض برعب.
شيرت بإيد واحدة لرجالي.
وفي أقل من ثلاث ثواني.. صرخات رجالة شريف ملأت المكان بعد ما أسلحتهم اتطارت من إيديهم وركعوا على الأرض تحت أقدام رجالي المسلحين! شريف نفسه اتثبت في مكان والمسدس اتسحب منه وقدمه اتكسرت بضغطة واحدة من رجلي!
شريف كان بيصرخ على الأرض من الألم:
— مراد بيه! أنت بتخرب شغلك وعلاقاتك عشان عيال شوارع؟!
قربت منه، ودست على إيده المكسورة بجزمتي وقلت بحزم يقطع الأنفاس:
— العيال دول يبقوا تحت حمايتي من الليلة دي. والشبكة بتاعتك كلها هتتمحى من القاهرة قبل ما الفجر يطلع!
التفت لمدير أمني وقالت له بصرامة:
— النيابة العامة وقوات الأمن الوطني يلموا الأشكال دي فوراً، والملفات اللي عندي عن شبكة العقاد تتقدم بكرة الصبح للنائب العام بنفسه!
تسحب شريف ورجالته برة المطعم وهم بيصرخوا، والصمت رجع للمكان تاني.
ألتفت لـ نور.
كانت واقفة مكانها، حاطة إيدها على بؤها ومش مصدقة إن الراجل المرعب اللي كل الناس خايفة منه، أنهى كابوسها في دقائق.
روز الجرسونة جابت الصواني السخنة بسرعة.. الفراخ والشوربة والدفا والأكل الدافي لزين.
قعدت نور على الكرسي الرخام الفخم، وحطيت زين في حضنها، وبدأت تاكل بلهفة وشغف دموعها نازلة في الطبق.
قعدت قصادها، وبصيت لها بهدوء:
— احكيلي يا نور.. إيه اللي حصل؟
نور مسحت دموعها بكم البلوفر، وبدأت تحكي بصوت مكسور:
— أمي كانت بتشتغل خياطة بسيطة.. وشريف العقاد ده كان عاوز ياخد شقتنا بالزور. لما رفضت، اقتحم البيت من أسبوعين وخطفنا.. أمي حاولت تدافع عن زين، فقتلوها قدام عيني.. وأنا أخدت زين وانتهزت فرصة إنه كان سكران ورباط إيدي اتفك بالليل، وهربت بيه في التلج والمطر.. فضلت أجدري في الشوارع لحد ما شفت النور بتاع المطعم ده، وقلت أتدس جوا يمكن ألاقي أي لقمة لزين قبل ما نموت من البرد.
قلبي، الراجل اللي قعد 22 سنة مقفول ومش بيحس بأي مشاعر، حس بوجع شديد.
البنت دي بأخلاقها وشجاعتها وحبها لأخوها الصغير، عملت حاجة ما حدش في الدنيا قدر يعملها.
قلت لها بدفء حقيقي لأول مرة في حياتي:
— أمك الله يرحمها.. والقصاص منها أخدناه. ومن النهاردة يا نور.. مفيش جري تاني، ومفيش برد، ومفيش جوع.
بعد 6 أشهر..
قصر المنشاوي في التجمع الخامس، اللي كان طوال سنين شبه المقبرة المظلمة، أتحول لبيت دافي مليان ضحك وحياة.
نور بقتي بتدرس في أكبر مدرسة دولية في مصر، لابسة أحسن لبس، وضحكتها بقت تنور القصر كل يوم أول ما ترجع. وزين الصغير كبر وبقى يمشي في أركان القصر ويضحك مع الحراس ورجالي اللي بقوا بيلعبوه ويحرسوه بعيونهم.
أما أنا.. فغيرت كل حياتي.
قفلت كل البيزنس المشبوه أو الغامض اللي كنت يديره زمان، وركزت كل استثماراتي في المدارس والمستشفيات والأعمال الخيرية ورعاية الأطفال الأيتام.
في يوم، كنت قاعد في مكتبتي الكبيرة، ودخلت عليا نور وهي شايلة التقرير المدرسي بتاعها، ووشها منور بالفرحة:
— بابا مراد! طلعت الأولى على المدرسة!
كلمة “بابا مراد” نزلَت على روحي كأنها طوق نجاة.
ضميتها لصدري وبست رأسها، وحسيت إن البنت الصغيره اللي دخلت أوضة أكلي من ست شهور بتطلب بواقي الأكل.. ما أخدتش بواقي أكلي، دي أخدت قلبي وحياتي كلها وعوضتني عن سنين الوحدة والعتمة.
العدل والإنسانية مش محتاجين غير قلب صاحي.. وأوقات ربنا بيبعتلك ملائكة في صورة أطفال محتاجين مساعدة، عشان هم اللي ينقذوك ويغيروا حياتك للأبد.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *