بطل تناديني حبيبتك حكايات بسمة

حاولت أسحب إيدي بالراحة، بس مسكته كانت ثابتة:
— سيف.. أرجوك، إحنا في المستشفى.
سيف قام وقف. طوله الفارغ وجسمه الضخم غطوا عليا. نزل لمستوايا وهو لسه ماسك إيدي، وقال بصوت هز كياني:
— أربع أيام يا هنا.. أربع أيام وأنا عايش في الجحيم ده. سمعتك وإنتِ بتقولي للراجل ‘أنا ما قولتلكش لأ’.. والكلمة دي طيرت النوم من عيني. النهاردة مفيش حراس برة الأوضة، مفيش حفلات تبرع، ومفيش ناس بتتفرج علينا.
سكت ثواني، ونزل عينه لشفايفي ورجع بص في عيني تاني، وصوته نزل لطبقة حنونة وعميقة عمري ما سمعتها منه:
— هسألك السؤال اللي كان مفروض أسأله من أول يوم فتحت فيه عيني ولقيتك بتمسحي الدم من على صدري.. السؤال اللي كنت خايف أسأله عشان ما أسمعش إجابة تكسرني:
هنا مراد.. تقبلي تكوني حبيبتي؟ تقبلي تديني فرصة أكون الراجل اللي تحبيه، مش الراجل اللي تترعبي من سلطته؟
السؤال نزل عليا زي المطر بعد جفاف طويل.
الكلام طار من دماغي. سيف الجارحي.. الراجل اللي بيترعب منه كبار رجال الأعمال والسياسة، واقف قدامي بيطلب إيدي وم مشاعري بتواضع ورجاء، خايف من رفضي أكتر ما بيخاف من الموت نفسه!
شفت في عينيه الصدق. شفت الراجل اللي كان بيحميني في السر من غير ما يطلب مقابل، الراجل اللي بيسهر بالليل عشان يضمن إني وصلت بيتي بسلام، الراجل اللي بالرغم من كل قوته، احترم كلمتي وغضبي وانسحب في صمت أول ما حس إنه ضايقني.
نزلت عيني لإيده المجهزة على معصمي، وبعدين رفعت إيدي التانية وحطيتها بالراحة على خده.. لمست الندبة الصغيرة اللي جنب عينيه.
سيف اتجمد مكانها أول ما إيدي لمست وشه. غمض عينيه لثانية كأنه بيمتص اللمسة دي، وأخد نفس طويل.
قلت بصوت واطي بس مليان مشاعر حقيقية:
— أنا ما أكرهكش يا سيف.. ولا بتهرب منك. أنا بس كنت خايفة.. خايفة أكون بالنسبة لك مجرد محطة، أو ممرضة أنقذت حياتك في لحظة ضعف، فتتعلق بيها عشان المنقذ، مش عشان هي مين. أنا كنت خايفة أدخل عالمك وأتحول لمجرد رقم في قائمة ممتلكات سيف الجارحي.. حاجة بتاخدها بالأمر والفرض من غير ما يسألني رأيي.
فتح عينيه وبصلي بلهفة وصدمة حب نقي:
— ممتلكات؟ أنتِ مجنونة يا هنا؟ أنا عمري ما بصيتلك كده! أنا من يوم ما شفتك واقفة فوق رأسي في غرفة العمليات، بتصارعي عشان تنقذي حياتي وإيدك بتترعش بس مكملة بثبات.. أنا شفت فيكي الأمان الوحيد اللي افتقدته طول حياتي! أنا حياتي كلها دم، وس/لاح، وصراعات، وناس بتنافقني عشان الفلوس والسلطة.. إنتِ الشخص الوحيد اللي بص في عيني وقالي ‘لأ’ في وشي قدام الناس! إنتِ الوحيدة اللي ما خفتيش مني، والوحيدة اللي قلبي اتنفس معاها!
الدموع اتجمعت في عيني، والابتسامة خرجت من بين شفايفي من غير ما أحس:
— يعني إنت ما بتبعتش العربية عشان تسيطر عليا؟
سيف ضحك ضحكة واطية رجت صدره، مسح دموعي بصوبعه الكبير بحنان يبكي:
— ببعث العربية عشان الشارع بالليل خطر، وعشان قلبي بيموت من القلق عليكي لحد ما توصل باب شقتك! وببعث القهوة عشان عارف إنك بتنسي تشربي وأنتِ في الشيفت، وببعث الأكل عشان جسمك الضعيف ده ما يقعش من طوله! أنا بعمل كل ده عشان بحبك يا هنا.. بحبك بالطريقة الوحيدة اللي أعرفها، بس مستعد أتعلم أسلوبك إنتِ، لو بس تديني الفرصة.
قربت منه أكتر، وحطيت رأسي على صدره، ورجعت قست دقات قلبه المرة دي بأدني.. دقات كانت بتدق بسرعة، بس المرة دي كانت دقات فرحة وراحة.
قلت له وأنا حاضنة قميصه بقوة:
— موافقة يا سيف.. موافقة أكون حبيبتك، بس بشرط.
سيف حط إيديه الاتنين حوالين وسطي ورفعني شوية عن الأرض بدفء وشوق:
— شرطك مجاب من قبل ما تنطقيه يا قلب سيف.. قولي!
— القهوة توصل في ميعادها كل يوم.. وما تغيبش عني أربع أيام تانيين أبدًا.
سيف ضحك بصوت عالي ملا الأوضة، ونزلني بالراحة وهو بيبص في عيني بابتسامة نصر حقيقية:
— أربع أيام؟ ده أنا مش هسيبك أربع ساعات على بعض بعد النهاردة!
في اللحظة دي.. الباب اتفتح فجأة، ودخلت الممرضة زميلتي وهي ماسكة ورق:
— هنا، معلش اتأخرت عليكي…
الممرضة اتجمدت مكانها لما شافت سيف الجارحي واقف ماسك إيدي وحاضن وسطي، وعينيه مليانة ضحك وحب.
وشها أحمر وتلجلجت:
— أوه.. أنا آسفة جداً! افتكرت الفحص خلص!
سيف التفت للممرضة وهو ما سابش إيدي، وقال بنبرة مليانة فخر وهيبة، النبرة اللي المرة دي كانت حقيقية ومقبولة من قلبي 100%:
— الفحص خلص يا أنسة.. والدكتورة هنا أدتني العلاج الحقيقي لقلبي.
الممرضة ابتسمت بذكاء واستأذنت وخرجت وقفلت الباب.
بصيت لسيف وأنا بضحك وبحرك رأسي بخجل:
— إنت مش ممكن.. فضحتنا في المستشفى كلها!
سيف قرب مني وباس جبيني بوسة طويلة ودافية، طبعت فيها كل العهود اللي بيننا:
— خلي الدنيا كلها تعرف.. إن هنا مراد هي الحبيبة، والمالكة الوحيدة لقلب سيف الجارحي.
ومن اليوم ده.. حدودي ما اتكسرتش، بالعكس، سيف بنى حواليها سور من الحماية والحب والاحترام. العربية السودا فضلت تستناني، بس المرة دي السواق كان بيفسحلي الباب وسيف قاعد جوة مستنيني بوردة وابتسامة قهوة دافية.
المسافة اللي طلبتها زمان كانت السلمة اللي بنينا عليها حب حقيقي متكافئ.. حب مش قايم على السيطرة، بل قايم على الاختيار والاحتواء.
تمت.




