بطل تناديني حبيبتك حكايات بسمة

الرجل اتصدم.

سيف بصلي مباشرة وقال:

— أنا ماطلبتش منها أصلًا.

وبعدين اعترف:

— أنا كنت مستني أعرف إجابتها… فتصرفت كأني أخدتها بالفعل.

وبعدها مشي.

من غير ما يلمسني.

من غير ما يأمرني بحاجة.

ومن غير حتى ما يخلّي السواق يستناني بعد الحفلة.

ولما الساعة عدت نص الليل، فهمت اعتذاره الحقيقي.

مسافة.

بالظبط المسافة اللي أنا طلبتها.

تلات أيام عدّوا.

مفيش رسائل.

مفيش قهوة.

مفيش عربية سودا مستنياني تحت المستشفى.

ومع إني كنت أنا اللي طلبت كل ده…

إلا إن استرجاع حدودي حسسني بشكل مؤلم إني خسرت حاجة.

وفي اليوم الرابع، رجع سيف للمستشفى عشان يكمّل إجراءات تبرع ضخم لبرنامج علاج الإصابات.

واحد من رجالته ضحك وقال:

— هي الممرضة اللي رفضتك؟

سيف وقف فجأة.

وقال بحزم:

— هي ما رفضتنيش.

الراجل سكت.

سيف كمل:

— ومش عايزك تحول حدودها لحاجة تتسلى بيها تاني.

المفروض الكلام ده يخليني أحس إني انتصرت.

لكن بدل كده…

قلبي اتقبض.

ولما سيف شافني، قال بمنتهى الرسمية:

— آنسة مراد.

الكلمة وجعتني أكتر مما توقعت.

فوقفته.

— إنت ماكنتش مضطر تدافع عني.

بصلي وقال:

— أنا صححت له كلامه. الاتنين مش نفس الحاجة.

وبعدين قال إن التبرع للمستشفى هيفضل زي ما اتفق عليه.

— مستشفاكي مش هتخسر حاجة عشان إنتِ قولتيلي لأ.

ومن غير ما أفكر، همست:

— أنا ماقولتلكش لأ.

سيف ثبت مكانه.

بصلي فترة طويلة، وقال:

— مش نفس الحاجة؟

بعد أربع أيام، شفت اسم سيف مكتوب على لوحة القسم.

كان جاي يعمل آخر فحص للقلب.

بصيت للاسم مرتين.

وفجأة الممرضة المسؤولة نادتني:

— هنا! ممكن تغطي حالة الجارحي عشر دقايق؟

قلبي نط.

— حاضر.

مشيت ناحية أوضة الكشف.

فتحت الباب.

سيف كان قاعد لوحده.

رفع عينيه أول ما دخلت.

ولأول مرة…

من يوم ما قلت له:

“بطّل تناديني حبيبتك.”

كنا لوحدنا تمامًا.

والمرة دي…

هو ماكانش عنده أي عذر يخليه مايسألش السؤال اللي كان مأجله من البداية.

السؤال اللي كان ممكن يغيّر علاقتنا كلها.
حكايات بسمة
وقفت عند الباب والقبضة على المقبض إيدي كانت بتترعش بيها. الأوضة كانت هادية، وصوت الأجهزة الطبية المنتظم كان هو الشئ الوحيد اللي بيقطع السكون القاتل ده. سيف كان قاعد على طرف السرير، قميصه الأبيض مفتوح زريره الأولانيين، وملامحه كانت هادية.. هدوء يحذّر من عاصفة، مش يطمن.
رفع عينه وبصلي. عينيه السودا اللي كانت دايماً بتخترقني وتفهمني من غير ما أنطق كلمة، كانت المرة دي مليانة بتساؤلات مكتومة، حذر، ورغبة شديدة إنه يهد كل الحواجز اللي أنا بنتيها بنفسي.
قفلت الباب بالراحة ورايا. الخطوات كانت تقيلة كأني ماشية على أرض مشتعلة.
— أهلاً يا أستاذ سيف.. أنا جيت عشان الفحص الأخير للقلب والجرح.
سيف ما تحركش. فضل باصصلي، وعينه بتتابع كل حركة بعملها، من أول ما مسكت سماعة الطبيب لحد ما فتحت ملفه الطبي على الترابيزة.
صوته خرج واطي، بس تقيل، يرن في الأوضة:
— “أستاذ سيف”؟ رجعنا للرسميات تاني يا هنا؟
أخدت نفس عميق وحاولت أثبت نبرة صوتي:
— دي أصول الشغل يا سيف.. قصدي يا أستاذ سيف. إحنا هنا في المستشفى.
قعدت على الكرسي القريب منه ومسكت السماعة عشان أقيس دقات قلبه. لما قربت منه، ريحة البرفان الخشبي المميز بتاعه ملأت مناخيري. نفس الريحة اللي كانت بترافقني في العربيات السودا اللي كنت بتهرب منها.. نفس الريحة اللي وحشتني طوال الأيام الأربعة اللي فاتوا من غير ما أجرؤ أعترف لنفسي بكده.
حطيت السماعة على صدره، قريب جداً من مكان جرح الرصاصة القديم.
وفجأة.. السماعة نقلت لودني دقات قلبه.
ما كانتش منتظمة.
كانت سريعة.. تسارع غير طبيعي لراجل معروف عنه إنه أبرد من الثلج في أعتى المواقف.
رفعت عيني بصدمة وبصيت في عينيه.
ابتسم ابتسامة واطية خالص، ابتسامة فيها مرارة كبرياء مجروح، وقرب وشّه مني سنتيمترات قليلة:
— طمنيني يا دكتورة.. الجهاز بيقول إيه؟ القلب شغال صح، ولا المشكلة في صاحبه؟
إيدي بلعت ريقها بالعافية، وحسيت الحرارة طلعت في وشي:
— دقات قلبك سريعة جداً.. إنت بذلت مجهود؟
سيف مسك إيدي اللي كانت حاطة السماعة على صدره. صوابعه الدافية والقوية لفت حوالين معصمي برفق شديد، بس بمسكة ما ينفعش تفلت منها. حط إيدي على موضع قلبه مباشرة وقال وهو بيبص جوة عينيا:
— المجهود الوحيد اللي بذلته في الأيام اللي فاتت.. كان إني أمنع نفسي من إني أجيلك. إني أمنع رجالي يقفوا تحت بيتك، وإني ما أبعتش القهوة اللي بتحبيها كل يوم الساعة 8 الصبح. المجهود كان إني أحترم “حدودك” اللي طالبتِ بيها يا هنا.. بينما أنا كل خلية في جسمي بتصرخ عشان أكون جنبك.
قلبي نط في صدري. النظرة اللي في عينيه ما كانتش نظرة راجل متكبر بيفرض سلطته، دي كانت نظرة راجل بيتحرق من جوة، راجل أول مرة في حياته يضعف قدام ست.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *