حماتي كانت كل ما يحصل بيني وبين جوزي أي خلاف حكايات بسمة

— إنت ما قلتليش إن مراتك عارفة!
في اللحظة دي، فهمت إن فيه سر كبير مستخبي بينهم… سر لو اتكشف، مش بس جوازي اللي هينهار، لكن كمان الصورة اللي العيلة كلها واخداها عن ابنها هتتغير للأبد!
بس السؤال اللي محيرني لحد دلوقتي: أنا كنت عارفة إيه بالظبط؟ وإيه الحاجة اللي خلت حماتي، اللي عمرها ما خافت من حد، ترتعب بالشكل ده؟
حكايات بسمه
الصمت نزل على القاعة زي الصاعقة. العزومة اللي كانت مليانة ضحك وأصوات أطباق، تحولت في ثانية لساحة محكمة. أقارب جوزي، أعمامه، وأخواته كلهم كانوا بيبصوا للترابيزة بفضول وياكلهم الفضول، وعيونهم بتتأرجح بين الورقة الأسود المطبوعة اللي رميتها، وبين وش جوزي “سامح” اللي تحول للون الأسود من شدة الصدمة والذعر.
حماتي، الست “كريمة”، اللي كانت قبل ثواني واقفة بتمثل دور الآمرة الناهية وبتضحك بشماتة، أيديها بقت تترعش لدرجة إن كوباية المية اللي كانت ماسكاها وقعت من إيدها واتكسرت على الأرض الرخام.
بصيت لسامح وقلت له بمنتهى الهدوء، وأنا سانده ضهري على الكرسي وببتسم ابتسامة ثبات حقيقي:
— إيه يا سامح؟ ما بتقولش لأمك ليه إنها تختارلك العروسة الجديدة؟ ولا خايف العروسة الجديدة تطلب منك ذمة مالية وحسابات رسمية فتكتشف المهزلة اللي أنت عايش فيها؟
حماتي بدأت تنفس بسرعة، وقربت من ابنها وشديته من دراعه بانهيار:
— سامح! أنطق يا ابني! البت دي جايبة الحاجات دي منين؟ دي تحويلات الصندوق وأوراق الشركات المضروبة! إنت مش قلتلي إن الأوراق دي محدش يقدر يوصلها أبداً وإن السكرتير بتاعك مسح كل الأثر؟!
هنا بقى.. اللغز اتحل قدام العيلة كلها!
السر اللي كنت مخبياه في شنطتي بقالي شهور ما كانش مجرد ورقة طلاق ولا كشف حساب عادي.. السر كان كشوفات حسابات مزورة وشيكات بدون رصيد وتوكيلات مسربة تثبت إن سامح “الابن البار”، الجراح الشهير المرموق اللي حماتي بتتفاخر بيه قدام العيلة والناس وبتقول عليه “سيد الرجالة”، كان قائم على عمليات اختلاس وتزوير لشركات عائلية تابعة لأعمامه وأولاد عمومته!
مش بس كده.. سامح كان بياخد قروض ضخمة باسم والدته وبضمان بيتها وعقاراتها عشان يغطي على ديونه في البورصة والرهانات السريعة، وحماتي كانت شريكة معاه في التستر، لأنها كانت خايفة من الفضيحة وبتغطي عليه عشان تفضل صورتها وصورة ابنها يتباهوا بيها قدام العيلة!
أعمام سامح قاموا من على السفرة وفكهم وقع من الصدمة! عم الكبير “الحاج توفيق” قرب ومسك الورق اللي رميته على الترابيزة وقرأ السطور والختم الرسمي بتدقيق.
الحاج توفيق بص لسامح بعيون مليانة شرار وغضب هز أركان القاعة:
— إيه الكلام ده يا سامح؟! الشركات اللي أنت ماسك إدارتها بقالك سنتين طالع منها تحويلات لحسابات وهمية باسمك بأكتر من 8 مليون جنيه؟! دي أكل حقوق أيتام العيلة يا ابن أخويا؟!
سامح وقع على ركبتيه قدام عمه، وشه متبهدل بالعرش، وصوته يخرج بالتلعثم والرعب:
— يا عمي.. يا عمي اسمعني! والله العظيم هرد كل حاجة! أنا بس كنت مزنوق في سوق الأسهم والشركة كانت هتقفل! والله العظيم كنت هسدد قبل ما حد يحس!
أمه “كريمة” نزلت جنبه على الأرض وبقت تلطم على وشها وتصرخ فيا بدموع التماسيح والذعر:
— يا شيخة حرام عليكي! جاية تخربي بيت ابني وتفضحينا قدام أهله وناسه؟ دي آخرة الجميل والخير اللي أكلتيه في بيتنا؟ جاية توديه في داهية عشان كلمة هزار قلتها؟!
وقفت بثبات، وأخدت شنطتي بالراحة وبصيت لها بقرف لا يوصف:
— كلمة هزار يا طنط؟ الكلمة اللي كنتِ بتقوليها كل يوم ‘طلقها وأنا أجوزك واحدا أحسن منها’.. كنتِ بتقوليها عشان تغطي على نقص ابنك ورخصه! كنتِ بتستقوي عليا وبتحاولي تكسريني وتطلعي العيب فيا وفي رحمي وحياتي عشان العيلة ما تركزش في الفساد والسرقة اللي ابنك بيعملها من وراهم! كنتِ فاكرة إني غبية مش فاهمة إنتوا بتعملوا إيه بالليل وليه كنتوا بتسهروا تقفلوا اللابتوب أول ما أدخل الصالة!
سامح بصلي بصدمة ودموع:
— ندى.. أنتِ كنتِ عارفة كل ده من شهور وساكتة؟
رديت عليه ببرود أبرد من الثلج:
— كنت ساكتة وبجمع الدليل بالكامل عشان لما أخرج من بيتك، أخرج بكرامتي وراسي مرفوعة قدام الناس كلها! عشان لما أمك تفكر تطردني أو تهينني قدام العيلة، تعرف مين فينا اللي مستور ومين اللي حقيقته عريانة قدام الخلق!
الحاج توفيق ضرب على الترابيزة بيده وقال بصوت كالرعد:
— الشرطة المباحث المالي هتكون هنا خلال نص ساعة يا سامح! والبيت والعقارات اللي باسم أمك هتتحفظ عليها لحد ما ترجعوا كل مليم اتسرق من عيلتنا!
حماتي كريمة صرخت ووقعت على الأرض يغمى عليها من الصدمة ورعب الفضيحة والحبس اللي بيستنى ابنها، وأقارب العيلة بقوا يبصولهم بقرف واشمئزاز ويتبرأوا منهم في نفس اللحظة.
سامح حاول يمسك رجل السيارة أو دراعي وهو بيعيط ويتوسل:
— ندى أرجوكي! أرجوكي اسحبي الأوراق وما تخليهمش يبلغوا! أنا بحبك يا ندى وما أقدرش أعيش من غيرك! أنا مستعد أعملك أي حاجة!
زقيت دراعه برجلي بصلابة وقسوة:
— أنت ما حبيتش غير نفسك وجشعك يا سامح. وأمك اللي كانت فاكرة إنها هتجوزك أحسن مني بمليون مرة.. خليها بقى تدورلك على عروسة تزورك في السجن وتجيبلك أكل في الزيارة!
طلعت من باب البيت بكرامتي، مرفوعة الراس، والنسيم النقي دخل صدري لأول مرة من سنين. أخدت شنطتي وركبت عربيتي، ورجعت بيت أبويا وأنا حاسة إن طوق الخوف والظلم اتفك من رقبتي للأبد.
مرت شهور..
سامح اتحاكم وأخد حكم بالسجن، وأملاكه وأملاك أمه أتباعت في المزاد العلني لتسديد الديون والاختلاسات اللي عملها في حق أهله. حماتي سابت المنطقة وبقت تلف على المحاكم تدور على كفالة لابنها بعد ما كل العيلة اتخلت عنها وما بقاش حد يطيق يسمع اسمها أو يشوف وشها.
أما أنا.. فركزت في شغلي وحياتي، وفتحت المكتبي الخاص، وربنا عوضني ببعدهم عني أمان وراحة بال ما تدفعش بفلوس الدنيا.
وعرفت ساعتها إن الظالم مهما استقوى وعلا صوته.. الحق دايماً بيجي في الوقت المناسب عشان يرجع كل واحد لحجمه الطبيعي.
تمت.





