الكاميرات المخفيه حكايات بسمة

وبعدين حصل شيء ماشفتهوش من أكتر من سنة.

شفايف ابني اتحركت.

قربت من الشاشة وأنا متأكد إني بتخيل.

نورهان قربت منه هي كمان.

ومالك فتح بقه…

علشان يتكلم.

ولأول مرة من أكتر من سنة، كان ابني على وشك ينطق كلمة.
حكايات بسمة
ولأول مرة من أكتر من سنة، كان ابني على وشك ينطق كلمة.
صوت خافت جدًا، طالع بالعافية من حنجرته كأنه خارج من بئر مهجور، صوت مكسور ومخنوق من كثرة السكوت:
— مـ… مش… خايف.
نورهان ما ابتسمت ابتسامة النصر، ولا جريت تحضنه، ولا عملت الحركة التمثيلية اللي كانت بتعملها المربيات القدام لما يعمل أي إنجاز بسيط. هي بس هزرّت رأسها بهدوء شديد، وكأن الكلمة دي كانت متوقعة، وكأن طفلي لم يفقد النطق أصلًا!
قالت له بصوت جاد وثابت:
— عارفة إنك مش خايف. الغضبان ما بيبقاش خايف يا مالك، الغضبان بيبقى مستني. وإحنا مش هنضيع وقتنا في الخوف.. يلا نكمل التمرين عشان لما تطلب منك الدنيا تقف، تكون جاهز للوقوف.
أنا كنت واقف في غرفة المراقبة، إيدي بتتغذى على حرف الترابيزة خشية إنها تترعش. الدموع اتجمعت في عيني لأول مرة من يوم الحادثة. ابني اتكلم! الكلمة طلعت منه مش ليا.. طلعت لنورهان، الست الغريبة اللي دخلت بيتي ببالطو كحلي قديم وشنطة جلد متهالكة.
في الليلة دي، ما عرفتش أنام.
كنت بقعد أراجع شريط الكاميرات من أول ما دخلت نورهان البيت. الحركة دي.. الأسلوب ده.. طريقتها في حزم المشرط الطبي وقت فحص جلد مالك، إيدها المليانة ندوب صغيرة عند المفصل.. دي مش ملامح ولا حركات ست اشتغلت في رعاية كبار السن وبس.
قمت من مكتبي وناديت على مدحت، مسؤول الأمن، في نص الليل.
دخل مدحت، وشه مشدود:
— أوامرك يا آدم بيه؟
قلت له بصوت يملؤه الشك والريبة:
— نورهان يا مدحت. عاوز ملفها الحقيقي. مش الكلام اللي مكتوب في سيرة ذاتية جاية من شركة توظيف.
مدحت استغرب:
— يا فندم، الشركة مسجلة وموثوقة، وأنا بنفسي راجعت…
قاطعته بصوت حاد هز الأوضة:
— راجع تاني! الست دي في إيدها ندوب طلقات نارية متخاطة قديمة، طريقتها في التعامل مع جسم مالك فيها حذر تدريب عسكري أو إسعاف ميداني! السنتين اللي اختفت فيهم من سيرتها الذاتية كانوا فين؟ بكرة الساعة 9 الصبح، الملف الكامل يفيض على مكتبي، وإلا تعتبر نفسك برة الخدمة.
تاني يوم، الساعة 8:30 الصبح..
نورهان وصلت في ميعادها بالظبط بالدقيقة، نفس البالطو، ونفس نظرة البرود.
لكن مدحت دخل عليا المكتب قبل ما هي تدخل أوضة مالك بأحد عشر دقيقة. كان وشه أصفر زي الورد الدبلان، ومحتفظ بملف أحمر في إيده.
حط الملف قدامي على المكتب وقال بصوت واطي جداً:
— آدم بيه.. الكلام اللي لقيناه خطر جداً. نورهان مش اسم اختياري، اسمها الحقيقي “نورهان الجبالي”.
فتحت الملف.. الصور والمستندات بدأت تتكشف قدامي:
— كانت طبيبة جراحة عسكرية في القوات الخاصة.. اختفت من السجلات بعد حادثة اغتيال وزيرة الدفاع السابقة. جوزها وابنها ماتوا في انفجار سيارة مصفحة بنفس التكتيك والتنفيذ اللي استهدف عربيتك من 14 شهر!
قلبي ضرب في صدري زي طبول الحرب.
كمل مدحت بخوف:
— السنتين اللي اختفت فيهم.. كانت مقضياهم في المصحات والأجهزة الأمنية بتفتش وراها بتهمة تسريب معلومات للقت*لة، لكن أفرجوا عنها لعدم كفاية الأدلة! نورهان ما جتش بيتك عن طريق المصادفة يا آدم بيه.. نورهان اخترقت شركة التوظيف وجات هنا بقصد!
الدم اتجمد في عروقي.
قت*لة مراتي.. هما نفس القت*لة اللي دمروا حياة نورهان!
هل هي جاية هنا تنتقم من ابني؟ ولا جاية تجيب حق ابنها عن طريق بيتي؟ ولا هي الجزء المخفي من المؤامرة اللي طاردت عيلتي؟
قمت من مكتبي وعيني على الشاشة رقم 4.
نورهان كانت قفلت باب أوضة مالك.
وقفلت الستائر..
وفجأة.. قربت من مكتبة الكشوفات اللي في زاوية الأوضة، ومدت إيدها بمهارة شديدة خلف اللوحة المتربة.. وطلعت منها جهاز صغير لونه أسود!
الموجات الصوتية للغرفة اتغيرت.
الست دي كانت معاها جهاز تشويش متطور جدًا، شغلته في ثانية، والشاشة قدامي أتحولت لنمط رمادي مشوش، والصوت اتقطع!
شلت المسدس الميري من درج المكتب، أخدت الأمان، وبصيت لمدحت:
— حاصروا الممر بالكامل.. محدش يطلق نار إلا بأمري.
طلعت السلالم بسرعة وصمت زي الفهد.
وصلت عند باب أوضة مالك. حطيت إيدي على المقبض.. حركته بالراحة، والباب اتفتح سنتيمترات قليلة من غير صوت.
بصيت من الفتحة الصغيرة..
نورهان كانت واقفة ظهرها للباب، وماسكة إيد مالك الصغير.
لكن ما كانش معاطاة دواء ولا تمرين علاجي..
كانت بتطلع من شنطتها حقنة صغيرة مليانة بسائل شفاف، وركبتها في أداة التقطير البلاستيكية الموصلة بيد ابني!
مالك كان باصلها بثقة كاملة، ومش خايف.
في اللحظة دي.. ما كانش في مجال للتفكير.
فتحت الباب بقوة ودخلت، ووجهت المسدس مباشرة لرأس نورهان بصوت يرعب الحيطان:
— ارفعي إيدك عن ابني يا نورهان!!! كلمة واحدة زيادة أو حركة إيد، وهفرغ الخزنة دي في دماغك!
نورهان ما اتخضتش.
حركت الحقنة ببطء شديد، وحطتها على الترابيزة جنب السرير، ورفعت إيديها الاتنين بمستوى كتفها.
مالك صرخ بصوت ضعيف بس ملحوظ:
— بابا! لأ!
وقفت مذهول من صرخة ابني دفاعاً عنها!
بصيت لنورهان وأنا بضغط على الزناد بالتدريج:
— دكتورة نورهان الجبالي.. جراحة القوات الخاصة السابقة. جاية بيتي ليه؟ وإيه المادة اللي كنتِ هتحقني بيها ابني يا قاتلة؟
نورهان بصتلي بنظرة ثابتة، ما فيهاش أي نقطة خوف.. نظرة ست شاف الموت لما شبع منه:
— السائل ده مادة مقوية للأعصاب ونوع نادراً ما بيتوافر في السوق، جايباه من زمايلي في الخدمات الطبية عشان أسرّع شفاء ألياف النخاع الشوكي لمالك.. مادة الشركة بتاعتك والأطباء بتوعك خايفين يدوها له عشان نسب نجاحها محتاجة مخاطرة.
ضحكت بصوت مليان غضب وقسوة:
— مخاطرة؟ وتداري عينك بجهاز تشويش وتدخلي باسم مزور عشان تعطي ابني “مخاطرة”؟ ولا عشان تخلصي شغلانة القت*لة اللي فجروا عربيتي وقت*لوا مراتي وجوزك وابنك؟!
نورهان غمضت عينيها لثانية واحدة لما ذكرت اسم ابنها.. كأن الكلمة ضربتها في مقت*ل. وبعدين فتحتهم وقالت بصوت هادي زي الموت:
— القت*لة اللي فجروا عربيتك وقت*لوا عيلتي.. مش برة السور يا آدم بيه. القت*لة جوة البيت ده.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *